محمد بن محمد ابو شهبة
382
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
فرجع وارتحل معه ابن الدغنة ، فطاف ابن الدغنة في أشراف قريش ، فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ، ولا يخرج ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الحق ؟ ! فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة ، وقالوا له : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ، فليصلّ فيها ، وليقرأ ما يشاء ، ولا يؤذينا بذلك ، ولا يستعلن به ، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا ! ! فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر ، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ، ولا يقرأ في غير داره . ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، وكان يصلي فيه ، ويقرأ القران ، فيتقذّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، وهم يعجبون منه ، وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القران . وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين ، فأرسلوا إلى ابن الدّغنّة ، فقدم عليهم فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره ، فقد جاوز ذلك ، فابتنى مسجدا بفناء داره ، وأعلن بالصلاة والقراءة فيه ، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل ، وإن أبي إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك ، فإنا كرهنا أن نخفرك « 1 » ، ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان . قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال : قد علمت الذي عاقدت عليه ، فإما أن تقتصر على ذلك ، وإما أن ترجع إليّ ذمتي ، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له ، فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار اللّه عز وجل « 2 » .
--> ( 1 ) أخفر بالألف نقض العهد ، وخفر وفي به . ( 2 ) صحيح البخاري - باب هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه إلى المدينة .